محاضرات مبادئ الارشاد النفسي

مفهوم التوجيه والارشاد النفسي:

هو عملية مساعدة الفرد ليستخدم امكاناته وقدراته استخداماً سليما لتحقيق التوافق مع الحياة.

التوجيه والارشاد النفسي والعلوم المتصلة به:

لا يوجد علم واحد مستقل تماما من غيره من العلوم. ان كل العلوم يتصل بعضها ببعض اخذا وعطاء ,ورغم هذا يبقى لكل منها كيانه المتميز.

والتوجيه والارشاد النفسي واحد من العلوم الانسانية يهدف الى خدمة وسعادة الانسان. وهذا هدف مشترك بين كل هذه العلوم وان اتخذ كل منها اسلوبه المتخصص لتحقيق هذا الهدف المشترك تحت اسم مختلف مثل الارشاد النفسي والعلاج النفسي والخدمة الاجتماعية والتربية وغير ذلك من العلوم والتخصصات الفرعية التي تعددت مع نمو المدينة المتطورة والتقدم التكنولوجيا السريع في عالمنا المعاصر.

التوجيه والارشاد النفسي وعلم النفس:

        ان علم النفس بصفة عامة يدرس السلوك في سوائه وانحرافه, وهو اهم المواد التي يدرسها المرشد في اعداده مهنياً. والتوجيه والارشاد هو نفسه فرع من فروع علم النفس التطبيقي ,يعتمد في وسائله وفي عملية الارشاد على علم النفس.

       ويستفيد الارشاد النفسي من علم النفس العلاجي في التعرف على الشخص الصحيح نفسياً والمريض نفسياً, وفي معرفة الدرجات المتقدمة او المتطورة من الاضطراب النفسي مثل العصاب  والذهان.

     ويستفيد الارشاد النفسي من علم نفس النمو في معرفة مطالب  النمو ومعاييره التي يرجع اليها في تقييم نمو الفرد: هل هو عادي ام غير عادي، متقدم او متأخر. ويشترك الارشاد النفسي مع علم نفس النمو في الاهتمام برعاية النمو السوي في كافة مظاهره جسمياً وعقلياً واجتماعياً وانفعالياً في مراحل النمو المتتالية، ويؤكد الاراد اهمية مساعدة الفرد في تحقيق النضج النفسي وهو هدف مشترك مع علم نفس النمو. كذلك فان عملية الارشاد عملية مستمرة من الحضانة حتى الشيخوخة ويستفيد الارشاد النفسي من علم النفس الجنائي الذي يهتم بدوافع السلوك المنحرف المضاد للمجتمع والذي يعاقب عليه القانون مثل جناح الاحداث.

       ويستفيد الارشاد النفسي من علم النفس العام مثلاً في دراسة الشخصية ودينامياتها.

التوجيه والارشاد وعلم الاجتماع

ان علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة الفرد والجماعة يعتبر علماً اساسيًا في اعداد المرشد والصلة وثيقة بين التوجيه والارشاد وبين علم الاجتماع لاهتمام كل منهما بالسلوك الاجتماعي والقيم والتقاليد والعادات والمعايير الاجتماعية والنمو الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية والخبرات الاجتماعية .

وتعتمد طريقة الارشاد الجمعي علم مفاهيم اساسية في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي الوثيق الصلة بعلم الاجتماع.

ويهتم المرشد بمعرفة الطبقات الاجتماعية التي ينتمي اليها الفرد واسلوب حياته الاجتماعية في اطار هذه الطبقة سواء العليا او المتوسطة او الدنيا والحرك الاجتماعي الرأس من طبقة الى اخرى.

 

تحقيق التوافق:

من اهم اهداف التوجيه والارشاد النفسي تحقيق التوافق أي تناول السلوك والبيئة الطبيعية والاجتماعية بالتغير والتعدبل حتى يحدث التوازن بين الفرد وبيئته وهذا التوازن يتضمن اشباع حجات الفرد ومقابلة متطلبات البيئة.

أهم مجالات تحقيق التوافق:

1- تحقيق التوافق الشخصي: أي تحقيق السعادة مع النفس والرضا عنها واشباع الداوفع والحاجات الداخلية الاولية الفطرية والعفوية والفسيولوجية.

2- تحقيق التوافق التربوي: وذلك عن طريق مساعدة الفرد في اختيار انسب المواد الدراسية والمناهج في ضوء قدراته وميوله وبذل اقصى جهد ممكن بما يحقق النجاح الدراسي.

3- تحقيق التوافق المهني: ويتضمن الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد علمياً لها والدخول فيها والانجاز والكفاءة والشعور بالرضا والنجاح

4- تحقيق التوافق الاجتماعي: ويتضمن السعادة مع الآخرين والالتزام وتقبل التغير الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي السليم والعمل لخير الجماعة وتعديل القيم مما يؤدي الى تحقيق الصحة الاجتماعية.

تحسين العملية التربوية:

       أكبر المؤسسات التي يعمل فيها التوجيه والإرشاد هي المدرسة، ومن أكبر مجالاته مجال التربية. وتحتاج العملية التربوية إلى تحسين قائم على تحقيق جو نفسي صحي له مكونات منها احترام التلميذ كفرد في حد ذاته وكعضو في جماعة الفصل والمدرسة والمجتمع وتحقيق الحرية والأمن والارتياح بما يتيح فرصة نمو شخصية التلاميذ من كافة جوانبها.

ولتحسين العملية التربوية يوجه الاهتمام الى ما يلي:

1-  إثارة الدافعية وتشجيع الرغبة في التحصيل واستخدام الثواب والتعزيز.

2- عمل حساب الفروق الفردية وأهمية التعرف على المتفوقين ومساعدتهم على النمو التربوي في ضوء قدراتهم.

التوجيه والارشاد النفسي علم وفن

       ان ممارسة الارشاد فن يقوم على اساس علمي، بالضبط كما ان ممارسة العلاج الطبي فن على اساس علمي.

الارشاد النفسي علم:

هناك اعتبارات تجعل الارشاد النفسي علماً ومن هذه الاعتبارات ما يلي:

أ- الارشاد النفسي فرع من فروع علم النفس التطبيقي.

ب- الارشاد النفسي يقوم على اساس نظريات علمية راسخة مثل نظرية الذات ونظرية المجال ونظرية السمات والعوامل والنظرية السلوكية.

الاسس والمسلمات والمباديء

إن التوجيه والإرشاد علم وفن يقوم على أسس عامة تتمثل في عدد من المسلمات والمبادئ التي تتعلق بالسلوك البشري والعميل وعملية الإرشاد وعل أسس فلسفية بطبيعة الإنسان وأخلاقيات الإرشاد النفسي، وعلى أسس نفسية تربوية تتعلق بالفروق الفردية بين الجنسين ومطالب النمو ، وعلى أسس اجتماعية تتعلق بالفرد والجماعة ومصادر المجتمع ، وعلى أسس عصبية وفسيولوجية تتعلق بالجهاز العصبي والحواس وأجهزة الجسم الأخرى.

ويلاحظ ان اسس التوجيه والارشاد النفسي معقدة وليست بسيطة ولكن كونها معقدة لا يعني انها مختلطة او مشوشة. ان الرياضيات مواد معقدة وليست بسيطة، ولكن لها اسس ومبادئ ومسلمات ونظريات واضحة معروفة.

المسلمات والمبادئ

1- ثبات السلوك الانساني نسبياً وامكان التنبؤ به:

السلوك هو أي نشاط حيوي هادف جسمي أو عقلي أو اجتماعي أو انفعالي يصدر من الكائن الحي نتيجة لعلاقة دينامية وتفاعل بينه وبين البيئة المحيطة به. والسلوك عبارة عن استجابة أو استجابات لمثيرات معينة. ويجب التفريق بين السلوك على أنه استجابة كلية وبين النشاط الفسيولوجي كاستجابات جزئية.

والسلوك خاصية اولية من خصائص الانسان يتدرج من البساطة الى التعقيد وابسط انواع السلوك هو السلوك الانعكاس ومن اعقد انماطه السلوك الاجتماعي فالسلوك الانعكاسي محصور في الفرد ولا يحتاج الى استخدام المراكز العقلية العليا في الجهاز العصبي ومعظمه وراثي لا ارادي وغير اجتماعي اما السلوك الاجتماعي مثل سلوك الدور فانه يتضمن علاقات بين افراد الجماعة وبين الفرد والبيئة الاجتماعية، ويحتاج الى تشغيل المراكز العقلية العليا، وهذا السلوك متعلم عن طريق عملية التنشئية الاجتماعية ويتضمن اتصالاً اجتماعياً وهو ارادي ومحدود اجتماعياً.

       والسلوك الانساني في جملته مكتسب متعلم من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والتربية والتعليم. وهون يكتسب صفة الثبات النسبي والتشابه بين الماضي والحاضر والمستقبل.

2- مرونة السلوك الانساني

السلوك الإنساني رغم ثباته النسبي، فإنه مرن وقابل للتعديل والتغيير. والثبات النسبي للسلوك الإنساني لا يعني جموده.

وقد يظن بعض الناس أن تعديل السلوك أمر صعب بسبب ثباته النسبي، ولكن انظر إلى مدرب الوحوش في السيرك، إنه يغير سلوكها ويعدله، ويحول السلوك الوحشي إلى سلوك أليف، ويحول الحيوان المفترس إلى حيوان أنيس، يكون هذا عن طريق التعليم والتدريب والترويض المتخصص.

3- السلوك الإنساني فردي جماعي:

السلوك الإنساني فردي جماعي في نفس الوقت. وهناك فرع من فروع علم النفس يدرس سيكولوجية الفرد والجماعة والسلوك الاجتماعي كاستجابة للمثيرات الاجتماعية. ان السلوك الانساني فردي اجتماعي مهما بدا فردياً بحتاً او اجتماعياً خالصاً، فسلوك الإنسان هو وحده يبدو فيه تأثير الجماعة، وسلوكه وهو مع الجماعة تبدو فيه آثار شخصيته وفرديته.

والفرد يلعب عددا من الأدوار الاجتماعية أي الوظائف الاجتماعية المتكاملة المتتالية، بمعنى أنه يقوم بدور أستاذ ودور أب ودور زوج ودور أخ ودور قائد أو تابع، وهذه الأدوار يتعلم الفرد المعايير السلوكية المحددة لها من الجماعة.

وفي الإرشاد والعلاج النفسي نجد أن أي محاولة لتعديل أو تغيير سلوك الفرد لا بد أن تدخل في الحساب شخصية الفرد ومعايير الجماعة والأدوار الاجتماعية والاتجاهات السائدة والقيم.

حق الفرد في التوجيه والارشاد:

ان التوجيه والإرشاد حاجة نفسية هامة لدى الإنسان. ومن مطالب النمو السوي إشباع هذه الحاجة. وعلى هذا يكون التوجيه والإرشاد حقا من حقوق كل فرد حسب حاجته في أي مجتمع ديموقراطي، أي أن للفرد حقا على المجتمع في أن يوجه كإنسان. ومن واجب الدولة توفير وتيسير خدمات التوجيه والإرشاد لكل فرد يحتاج إليها، فهي حق لمن ينمو في تطوره العادي ولمن يمر بمراحل حرجة ولمن يتعرض لمشكلات شخصية أو تربوية أو مهنية أو زواجية أو أسرية ... إلخ. فمثلا من حق كل تلميذ أن يتلقى خدمات الإرشاد التربوي والمهني، ومن حق التلميذ المشكل أن يتلقى خدمات إرشادية خاصة، كذلك من حق التلميذ المتفوق الذي لا يستغل كامل إمكاناته أن يتلقى خدمات إرشادية خاصة.

ومن اهم مبادئ التوجيه والارشاد النفسي الاعتراف بمقام الفرد وقيمته وحقه في اختيار وتقرير مصيره.

إن الإرشاد إرشاد وليس إجبارا وليس في الإرشاد أوامر ولا وعظ، ولا نصح ولا حلول جاهزة، إنه ليس شيئا يعمله المرشد للعميل ولكنه عملية مساعدة تتيح الفرصة للقوى الخيرة والإيجابية في الإنسان أن تعمل وأن تظهر فيستطيع أن يتعلم كيف يحل هو مشكلاته بالطريقة التي يراها مناسبة.

وهناك قاعدة أساسية وهي أنه "ليس هناك من هو أعرف بالفرد من نفسه:

 

تقبل العميل:

يقوم الإرشاد النفسي على أساس تقبل المرشد للعميل كما هو وبدون شروط وبلا حدود. وهذا أمر ضروري لتحقيق العلاقة الإرشادية الطيبة المطلوبة التي تتيح الثقة المتبادلة في العملية الإرشادية.

وميدان الإرشاد النفسي ليس ميدان تحقيق أو إصدار أحكام على السلوك والخبرات. إن العميل حين يلجأ إلى المرشد يلوذ به ليطمئن نفسيا، وله حق التقبل وسعة الصدر والطمأنينة والشعور بالأمن وإزالة الكرب ويجب أن يلمس العميل ذلك من خلال العلاقة الإرشادية.

مطالب النمو

يتطلب النمو النفسي السوي للفرد في كل مرحلة من مراحل نموه عدة أشياء. وهذه الأشياء يجب أن يتعلمها الفرد لكي يصبح سعيدا وناجحا في حياته، إنها مطالب النمو التي تظهر في مراحله المتتابعة.

وتوضح مطالب النمو المستويات الضرورية التي تحدد كل خطوات نمو الفرد وتصلح مطالب النمو في توجيه العملية التربوية والعملية الإرشادية، وتبين مطالب النمو مدى تحقيق الفرد لذاته وإشباعه لحاجاته وفقا لمستوى نضجه وتطور خبراته التي تتناسب مع مرحلة النمو.

وتنتج مطالب النمو من تفاعل مظاهر النمو العضوي كما في تعلم المشي وآثار الثقافة القائمة كما في تعلم القراءة ومستوى طموح الفرد كما في اختيار المهنة.

ويؤدي تحقيق مطالب النمو إلى سعادة الفرد، ويسهل تحقيق مطالب النمو الأخرى، في نفس المرحلة وفي المراحل التالية.

أهم مطالب النمو خلال مراحل النمو المتتابعة:

مطالب النمو في مرحلة الطفولة:

 المحافظة على الحياة، تعلم المشي، تعلم استخدام العضلات الصغيرة، تعلم الأكل تعلم الكلام، تعلم ضبط الإخراج وعاداته، تعلم الفروق بين الجنسين، تعلم المهارات الجسمية الحركية اللازمة للألعاب وألوان النشاط العادية، تحقيق التوازن الفسيولوجي، تعلم المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، تعلم المهارات العقلية المعرفية الأخرى اللازمة لشئون الحياة اليومية،  تعلم قواعد الأمن والسلامة.

مطالب النمو في مرحلة المراهقة:

 نمو مفهوم سوي للجسم وتقبل الجسم، تقبل الدور الجنسي في الحياة، تقبل التغيرات التي تحدث نتيجة للنمو الجسمي والفسيولوجي والتوافق معها، تكوين المهارات والمفاهيم العقلية الضرورية للإنسان الصالح، واستكمال التعليم، تكوين علاقات جديدة طيبة ناضجة مع رفاق السن من الجنسين، نمو الثقة في الذات والشعور الواضح بكيان الفرد، تقبل المسئولية الاجتماعية، امتداد الاهتمامات إلى خارج حدود الذات، واختيار مهنة والاستعداد لها "جسميا وعقليا وانفعاليا واجتماعيا"، تحقيق الاستقلال اقتصاديا، وضبط النفس بخصوص السلوك الجنسي، الاستعداد للزواج، والحياة الأسرية.

 

مطالب النمو في مرحلة الرشد:

       تقبل التغيرات الجسمية التي تحدث في هذه المرحلة والتوافق معها، توسيع الخبرات العقلية المعرفية بأكبر قدر مستطاع، اختيار الزوج، الحياة مع زوجة أو زوج، تكوين الأسرة وتحقيق التوافق الأسري، تربية الأولاد والقيام بعملية التنشئة الاجتماعية لهم، التطبيع والاندماج الاجتماعي، ممارسة المهنة وتحقيق التوافق المهني، تكوين مستوى اقتصادي مناسب مستقر والمحافظة عليه، تقبل الوالدين والشيوخ معاملتهم معاملة طيبة والتوافق لأسلوب حياتهم، تكوين فلسفة عملية للحياة.

مطالب النمو في مرحلة الشيوخة:

التوافق بالنسبة للضعف الجسمي والمتاعب الصحية المصحابة لهذه المرحلة، القيام بأي نشاط ممكن يتلائم مع قدرات الشيخ، تحقيق ميول نشطة وتنويع الاهتمامات، التوافق بالنسبة للإحالة إلى التقاعد أو ترك العمل، التوافق بالنسبة لنقص الدخل نسبيا، والتوافق بالنسبة للتغيرات الأسرية وترك الأولاد للأسرة واستقلالهم في أسرهم الجديدة، التوافق لموت الزوج أو الأصدقاء، تحقيق التوافق مع رفاق السن، الوفاء بالالتزامات الاجتماعية في حدود الإمكانات، تهيئة الجو النفسي والصحي المناسب للحياة الصالحة لهذه المرحلة.

الأسس الاجتماعية:

الاهتمام بالفرد كعضو في جماعة:

هذا المبدأ مكمل للمبدأ القائل إن السلوك الإنساني فردي اجتماعي، فالفرد لا يعيش فردا في المجتمع إن الإنسان كائن اجتماعي من اللحظة الأولى لولادته. والفرد يعيش في واقع اجتماعي له معايير وقيم، وهو يعيش في واقع اجتماعي له معايير وقيم، وهو يعيش في جماعة ليست مجرد مجموعة من الافراد وانما هي كيان اجتماعي يؤثر في الفرد.

ويتأثر السلوك الاجتماعي للفرد بالجماعات التي ينتمي إليها الجماعة المرجعية وهي الجماعة التي يرجع إليها الفرد في تقييم سلوكه الاجتماعي والتي يلعب فيها أحب الأدوار الاجتماعية إلى نفسه، ويشارك أعضاءها الدوافع والميول والاتجاهات والقيم والمعايير والمثل ويتوحد معها، وهي تؤثر في سلوك الفرد فتحدد مستويات طموحه وإطاره المرجعي للسلوك.