News forum

ماهية التربية

 
Picture of علي كاظم ياسين حمادي المحنّه
ماهية التربية
by علي كاظم ياسين حمادي المحنّه - Friday, 24 March 2017, 1:40 PM
 

ماهية التربية

التربية كموضوع يجب أن تعطي أهمية كبيرة فعن طريقها تتم عملية الحياة بانسجام

وتوافق مع المجتمع وعن طريق التربية أيضا ترقى الأمم وتتقدم .

ومنذ عرف التاريخ والفلاسفة يبحثون عن أفضل السبل للحياة الإنسانية الجيدة علي هذه الأرض ومن ثم يهدفون إلي تحقيق بقائهم وبقاء نظمهم وقيمهم ومبادئهم وقوانينهم وشرائعهم واستمرار أفكارهم ومنتجات عقولهم وكان سبيلهم في غرس كل هذه المبادئ والمعتقدات والأفكار وزرعها في عقول الأجيال واستمراريتها  هو العملية التربوية العملية التي تنقل هذا المبادئ والأفكار إلي الأجيال ولم يكن هذا النقل عشوائيا  في أي يوم من الأيام بل كان ولا يزال وسيبقى منظما مرسوما مقننا  ينقل للأجيال اللاحقة بنظام وبخطط تابعة يرضى عنها هؤلاء كما يرضى عنها المجتمع بما فيه من نظم وقيم وأنظمة حكم كما لم تكن هذه العملية جامدة بل كانت متطورة متغيرة متدرجة, وهي عملية عالمية  لا تقتصر علي فئة دون أخرى أو نوع من البشر دون آخر .وهي عملية تعد الإنسان بما يناسبه في حياته اليومية وممارساته الحياتية إنها تعد الإنسان المفكر الإنسان الذي يبني اليوم ليسكن غدا وينمو بعد غد ويخلف تراثا قيما للأجيال علي مر السنين إنها تعد الإنسان القابل للتكيف المتفتح للتطور والازدهار إنها عملية بناء البشر وهي عملية ليس سهلة ولا يمكن التحكم بها كما يبني المهندس عمارة شامخة أو المصانع صناعة قوية إنها عملية إنسانية تعني بالإنسان .

وإن هذه العملية قديمة قدم المخلوقات علي وجه هذه الأرض وهي مستمرة استمرار الحياة علي وجه هذه البسيطة وستبقى مع بقاء الإنسان كانت العملية التربوية ولا تزال مجال اهتمام المجتمعات المتطورة  والتقدمية  وقد أولت الدول المعاصرة والحضارية عناية خاصة للتربية وخصصت لها المال والجهد وأعدت لها الخبراء والمتخصصين لما لها من أهمية في صنع الإنسان المتطور في المجتمعات العصرية .

ولم تكن العملية التربوية يوم أو ساعة ولكنها عبارة عن تراكمات من الخبرات والسلوكيات التي رضيت عنها الشعوب علي مر الزمن فبواسطة العملية التربوية عرف الفرد الحقائق الموجودة في العالم وتعلم المهارات التي تفيده في الحياة وبواسطتها  نمت قدراته وتشعبت ميوله وحققت رغباته ولهذا جاءت التربية بمفاهيم كثيرة وفسرت بمعان عدة ولكن كل معرف لها لا يعدو أن يخرجها من نطاق الفائدة والتكيف مع الحياة المحيطة في الوقت المحدد والمكان المعين .

إن العملية التربوية ليست حكرا علي أحد ولا هي مهمة إنسان دون آخر كما أنه عملية عامة قد يقوم بها الأب أو الأم أو المدرس أو المدرسة أو السائق أو البائع أو أي مخلوق قد تأهل لذلك : أي : مخلوق عرف قيم مجتمعه وتقاليده عرف عاداته وقيمه ونظمه عرف ما هو صالح وغير صالح عرف ما له وما عليه فرجل الدين مربى  والمدرس مربي والأب مربي والقائد مربي ولأن العملية التربوية عملية تكيفية  عملية تكيف مع الحياة والتأقلم مع البيئة المحيطة سواء كانت البيئة الطبيعية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية  فهي عملية قديمة قدم هذه الحياة فمنذ وجد الإنسان وهو يدرب أبناءه علي العيش في البيئة والتغلب علي صعاب الحياة وتلك هي العملية التعليمية التي يحافظ بها الإنسان علي بقائه وبالتالي استمراريته . لقد بدأ الإنسان الحياة منفردا وتزاوج وصار له عائلة وكبرت العائلة فأصبحت عشيرة وتجمعت العشائر وتكونت القبيلة واتحدت القبائل فتكونت الدولة وصار لابد لهذا التراث من ديمومة وكانت ديمومته بالعملية التربوية التي تنقل التراث وتحافظ عليه وتنميه وتطوره وتبقيه علي الدوام واتسعت معاني العملية التربوية باتساع المجتمعات واختلفت باختلاف الأمم وتنوعت بتنوع الأنظمة وتعددت بتعدد المفكرين لهذا صارت مدلولات التربية مختلفة وشاملة وعامة لا تخص فئة واحدة دون الأخرى ولا تقتصر علي أمة دون غيرها ولا هي وليدة زمان دون زمان بل هي عملية استمرارية غير محدودة بزمان أو مكان أو شعب دون شعب .

العملية التربوية إذ عملية هامة لبني البشر وأهميتها تكمن في كونها الطريق المنظم لنقل التراث استمرار بقائه لكل الأمم .

إن جذور التربية قديمة وفروعها مستحدثة وثمارها تقدمية مستمرة  وهي بالتالي شجرة باسقة الطول جذورها في أعماق الأرض وفروعها في أعالي السماء .

أهداف التربية

إن التربية عملية فردية اجتماعية تتعامل مع فرد في مجتمع تنقل إليه معارف ومهارات ومعتقدات ولغة الجماعة من جيل إلي جيل والإنسان هو موضوع التربية تعني بسلوكه وتطويره ولكن ليس بمعزل عن الجماعة لأن الذات الإنسانية لا تتكون إلا في مجتمع إنساني وبقدر ما يتوافر للتربية من وضوح وعمق في المفاهيم والأسس التي تستند إليها تكون قوتها وفعلها في حياة الأمم والشعوب وفي اتجاهات الأفراد وفي العلاقات المختلفة وفي مجالات العمل المتعددة ونظرا لهذه الأهمية للتربية باعتبارها مسألة حيوية لازمة وضرورة اجتماعية فلقد زاد اهتمام الناس بها واشتدت الحاجة إلي دراستها والتعرف علي أبعادها ومن ثم كان ضروريا بالنسبة لدارس التربية وممارسها في المستقبل أن يتعرف علي طبيعة هذه العملية ماهيتها وجوانبها المختلفة وضرورتها .

يمكن القول أن هدف التربية الأساسي هو أنسنة الإنسان أي جعله مخلوقا إنسانيا يعيش في مجتمع ضمن إطار اجتماعي يحتوي علي تقاليد ونظم وقيم ومعايير وأفكار خاصة به .

والعملية التربوية تكسب الفرد حضارة الماضي وتمكنه من المشاركة في ممارسة حضارة الحاضر وتهيئة للتطوير وإضافة واختراع وتقدم حضارة المستقبل

إنها عملية تسهم وتشارك وتدفع عجلة الزمن للبقاء إنها تحصيل فرد في تراث الجماعة وتراث جماعة ينتقل بواسطة فرد .

فالتربية وسيلة وهدف طريقة وغاية تبدأ مع بدأ الحياة ولا تنتهي رغم نهاية حياة               الأفراد لأنها اجتماعية تخص المجتمع كما تخص كل فرد فيه هي راية تسلمها الجيل الحاضر من الجيل الماضي وسيسلمها الجيل الحالي إلي الأجيال القادمة هي عملية اجتماعية رغم كونها من العلوم التطبيقية فهي جهد اجتماعي يمارس في المجتمع ويطبق علي مر الأجيال  .

إن وظيفة التربية تكون أساسا في نقل التراث من جيل وفي اكتساب الخبرات المتزايدة كأساس للنمو وتعديل النظم الاجتماعية المختلفة وتطويرها كما تعمل التربية علي تزويد أفراد المجتمع بالمواقف التي تنمي التفكير لديهم .

والتربية هي مؤسسة الثقافة التي عن طريقها يمكن تغيير عقول الأفراد وتجديدها.

أسس التربية

إن اعتبار التفاعل بين القوى الاجتماعية حقيقة المجتمع والثقافة نتاج هذا التفاعل يعني ارتكاز كل منهما علي حقيقة أخرى هي وجود قوة يملكها الأفراد بحكم وجودهم الاجتماعي والثقافي تحقق لهم استمرار هذا التفاعل وتضمن لهم كذلك الإفادة من هذا النتاج بعد تمثلهم له واستيعابهم لعناصره في دفع أسباب حياتهم الثقافية والاجتماعية .

وهذه القوة هي التربية التي إن دلت علي شيء فإنها تدل على :

أولا. علي استعداد الفرد اللامتناهي للتغير والتشكل.

ثانيا :علي قدرته في أن يغير هو نفسه بما تغير به في أسلوب حياته وأساليب حياة مجتمعه وأنماط ثقافته  .

ثالثا: علي تشخيص المحيط الثقافي الذي ينتمي إليه وتبين ما فيه من عناصر قوة وضعف والتمييز بينها وتوجيهها وصولا إلي مستوى أفضل لهذا المحيط بمستوياته المختلفة المتعددة

رابعا :علي مدى ما يبذله من إيجابية في النهوض بمستوى عمليات التفاعل والاتصال بينه وبين الآخرين في الدوائر الاجتماعية المختلفة التي يمارس فيها أدواره باعتباره عضوا في جماعات مختلفة ينظمها مجتمعه .وهذه القوة بهذا المعنى لا توجد بدايتها ولا تستمر من تلقاء نفسها إذ توجد بوجود الأفراد في جماعاتهم الإنسانية وبفعل نشاطهم وممارستهم لأساليب العمل والتفكير في سياق عمليات التفاعل المتصلة التي يعيشون فيها وبواسطتها إذ أن فعل التربية بهذا المعنى الثقافي العام لا تنفرد به مؤسسة واحدة من مؤسسات المجتمع ذلك أن عملية التنشئة الاجتماعية والتطبيع الاجتماعي التي تعتبر التربية قرينة لها لا تقتصر علي مؤسسة بعينها أو علي موقف واحد من مواقف الحياة بل إنها عملية موصولة تشارك فيها جميع الدوائر الاجتماعية التي تتمثل في وسائط الثقافة كالأسرة والمسجد أو الكنيسة وجماعة الرفاق والزملاء والمدرسة والهيئات والروابط الاجتماعية وما يستحدثه أفراد المجتمع من وسائل اتصال وتجمع كالأندية والتنظيمات الاقتصادية والسياسية والصحافة والإذاعة والسينما والمسرح والتليفزيون . ومن هنا تبرز لنا بعض الأسس التي لابد من الوعي بها واعتبارها إطارا تعمل فيه التربية .

أولا – إن التربية عملية اجتماعية ثقافية تشتق ضرورتها من ضرورة الوجود الاجتماعي للأفراد ومن كونهم  حملة الثقافة .

ثانيا –   إن الثقافة بكل وسائطها تعتبر الوعاء التربوي العام حيث تحدث عملية التنشئة الاجتماعية للأفراد بما  تؤدي إليه من اكتسابهم أنماط سلوكية تحدد علاقاتهم وتعبر عن نفسها فيما يقومون به  من أدوار اجتماعية .

ثالثا –إن المدرسة وهي المؤسسة التربوية المتخصصة تعتبر واحدة من بين مؤسسات اجتماعية مختلفة لا بد  من التنسيق بينها لتوجيه مؤثراتها وتحويلها إلي مؤثرات تربوية في حياة الأفراد يتوافر فيها الوعي والهادفية والتخطيط .

رابعا-إن دور التربية في عمليات التغير مسئولية مشتركة بين المدرسة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية حتى تقوم التربية بالفعل بهذا الدور وهو تيسير التغير ودفعه والمزيد منه في آن واحد .

ركائز التربية

إن التربية تدور حول الإنسان  وحول مكانه من الحضارة التي يعيشها ويصنعها مجتمعه وهذا يعطي للتربية ركائز تستمد منها وظائفها وأهدافها :

-الرصيد الثقافي  يعتبر مصدرا أساسيا للتربية تستمد منه مادتها وبعض تصوراتها ومقاييسها ومن هنا فإن عمليات الاستيعاب والحفظ والاسترجاع تعتبر من العمليات التعليمية الهامة لأنها تنمي عند الإنسان هذه القدرات التي ميزته عن غيره من الكائنات الحية والتي مكنته من صنع التاريخ والثقافة والمحافظة عليهما وتطورهما والاستمرار بهما وعن طريقها .

– والحاضر الذي يعيشه الإنسان يعتبر مصدرا ثانيا ، تستمد منه التربية أيضا أهدافها ومادتها ومقاييسها . فمشكلات هذا الحاضر وقضاياه وتحدياته هي التي تشكل التربية وتكون المطالب الملقاة عليها والإنسان لا يستطيع أن يواكب كل هذا إلا بالنقد والتحليل والاستقراء ومن هنا يصبح التفكير عملية أساسية للتربية من أجل تحقيق وظيفتها والتفكير هنا يعني إدراك العلاقة بين الحاضر بمشكلاته وقضاياه وتحدياته – وبين الماضي الذي يعتبر سببا له .والمستقبل الذي يتطلع إليه الإنسان في مجتمعه يعتبر مصدرا ثالثا تستمد منه التربية توجيهاتها وأهدافها وتصوراتها فإذا كان الماضي يغذي الحاضر فإن الحاضر لابد أنه يغذي المستقبل  بل أن تصوراتنا عن هذا المستقبل تغذي الحاضر وهكذا والتربية بطبيعتها عملية مستقبلية كما أنها عملية ثقافية اجتماعية ومن هنا فإن تنمية التصور والتخيل  والقدرة علي الخلق والإبداع تعتبر من وظائف التربية لأن كل هذه القدرات هي سبيل الإنسان إلي صنع مستقبله والتنبؤ به .